اهلا بكم في موقع ومنتديات دمسرخو
القائمة الرئيسية
مدينة اللاذقبة
اثار اللاذقية
سياحة ومشاريع
حقائق من دمسرخو
من ذاكرتنا
شخصيات
الأرشيف
زوايا واقسام

الزاوية القانونية
قسم تفسير الاحلام
الزاوية الصحية
الزاوية الادبية
قسم الابداع والمواهب
قسم الاسماء ومعانيها
الزاوية الدينية

اعلانات
تصويت

هل انت مع كثرة المسلسلات الشامية في رمضان
نعم

لا

لا اهتم بذالك

 النتائج

إلى معالي الوزير في “موزامبيق”.........بقلم بسام البني

بقلم بسام البني

حضرة معالي الوزير المحترم

بدايةً دعني أقدَم اعتذاري عن أسلوبي الذي قد يكون دون المستوى في مخاطبتكم .
بما أنني طالبة في الصف الخامس الابتدائي ، و كما تعلم يا سيدي فالتعليم في مدارسنا بدأ يفقد احترامه و مصداقيته منذ فترة طويله ، مع أنه ما زال يوجد البعضُ من المعلَمين و المعلَمات ممنْ يعتبرون مهنة التعليم واجبٌ قدسي ، فيقدمون لنا ما استطاعوا من العلم ، و مع التحفظ أيضاً على تلك الحالة النفسية التي أعانيها عندما أجلس مع صديقاتي اللواتي يرتدن المدارس الخاصة ، و اللواتي ينتمين إلى أسرٍ قادرةٍ على تلبية احتياجاتهم المدرسية من أقساطٍ باهظة ، و إشباع رغبات طفولتهم بمختلف أشكال الرفاهية بالإضافة إلى جرعات التعليم النمطية و المركزة .

اسمي ( بسمة ) ، و أبلغُ من العمر عشر سنوات ، منذ أيامٍ اجتمعتُ مع إخوتي في غرفة الجلوس لنْ أصفها لك يا معالي الوزير لأنَ بيتنا عبارة عن غرفتين فقط – و أنا أعلمُ أنَ وقتكم ثمين و بالكاد تقرؤون عناوين الكتب الواردة إليكم و اسم الموَقع دون قراءة المضمون فذلك يكفيكم لأن توافقوا أم لا – هي بالكاد تصلح لأن تكون غرفةً توضعُ فيها أدوات رجُلٍ يعملُ في صيانة الحدائق بمنزل شخصٍ غني ، كنَا ننتظرُ أبي بفارغ الصبر – في بيتنا لا يوجد ما يؤكل – و للأمانة يا سيدي نُمضي في كل يومٍ السَاعات من وقتنا و نحنُ نعاني الجوع بشتى أنواعه و أشكاله ، المهم أنهُ في نهاية المطاف أتى أبي يحمل لنا كيساً أسود اللون فيه الرخيصُ من الطعام مع الخبز، علما بأن معاليكم و في أحد القرارات حظرتم وضع الأطعمة في الأكياس السوداء ، إلا أنَ أبي أخبرني أنهم يستخدمونها للفقراء تناسباً مع حظوظهم و أوضاعهم ، المهم أننا تقاسمنا الطعام كإرثٍ ثمينْ لكلٍ نصيبه حسب الشريعة .

اليوم يا سيدي وصل أبي على غيرِ عادته متأخراً ، أخي الرضيع يعاني المرضْ ، فهو لا يتناول الحليب لغلاء ثمنه و طبيب المستوصف قال لأمي أنه بحاجة للكلس و أمي سامحها الله ، يوم توفيت أختي حزنت كثيراً و فجأةً امتنعتْ عن إرضاع أخي الصغير لأنهم يقولون أن حليب الأم يؤذي الرضيع فيما لو تعرضت الأم لخوفٍ أو حزن ، و مع أنَها أرضعتنا كلَنا و هي خائفة من ظلام المستقبل ، إلا أننا و الحمد لله لم نصبْ بفقرِ كلس ، لكن وفاة أختي سبَبتْ لها حزناً شديداً ، اعذرني يا معالي الوزير فأنا لم أخبرك عن أختي .

كان لي أختٌ بعمرِ الوردْ كنتُ أنا في السابعةِ و هي في العاشرة – لنْ أطيل أيضاً يا سيدي ، لأنني أعلم أنكم عندما تجلسون إلى كرسيكم الذي يدور بكافة الاتجاهات تعطون ظهركم للفقراء ووجهكم للمتملقين ، ناسين أو متناسين من المذنب و من الذي يستحق كرمكم – و نعيش في محافظة نسبة التلوث فيها تضاهي نسبة التلوث الموجودة في نفوس أكبر المرتشين ممن يعملون في دوائر الدولة و المتمتعين بجيوب مثقوبة أسوة بغلاف الأوزون ، و نستنشق هواءً مشبعاً بنواتج النفط لوجود مصفاة و معامل كيميائية ملاصقة للمدينة ، لكننا نحظى دائما بتهنئة على الإنتاجية المرتفعة في تكرير النفط و إنتاج السماد و خلافه ، أصابها صداعٌ شديدْ دفع أبي لأن يقترض بعض النقود لإجراء فحوصات متقدمة لها ، ومعاليكم يعلم كيف يُعاملُ الفقراء في المشافي العامة والخاصة كنعاجٍ على باب المسلخ ، و للأسف كانت النتيجة سرطان في المخ ، لمْ أر أبي يوماً و هو يكذب أو يبكي لكن يومها بكى بشدة و بدأ بتأليف قصص كاذبة ما أنزل الله بها من سلطان ، يومها قال لنا ستتحول أختكم إلى طائر في السماء مددت رأسي حينها من النافذة و رحت أبحث عن سربٍ ينتظرها فلمْ أجده ، و بعدها بقليل قال لنا أنَ الله سبحانه و تعالى أرسل في طلبها على عجلْ فأغمضت عيناي و دعوتُ الله أنْ يتركها بيننا ، و ذات مرة قال لنا أنَها أخبرته سراً بأنَها لا ترغبُ بالعيش معنا و أنَها ستنتقل إلى بيتٍ في مكانٍ آمنْ حيث لا تلوث و لا نفاق و لا وعود واهية ، هناك في الجنَة ستستطيع تناول كل أنواع الفواكه دون أن تدفع قيمتها ، و تشرب مما لذ و طاب و تعيش في عدل السماء حيث لا كذب و لا رياء و لا تسويف ، قلت له يا أبي أستحلفك بالله أن تدعني أذهب معها ، يومها ضمني إلى صدره و بكى أحسستُ حينها أنَ ضلوعي على وشك أنْ تتكسر ، لمْ أصدقه فهل تصدق أنت أنه يوجد مكان يأكل الناس فيه الفواكه مجانا ؟؟؟

سيدي معالي الوزير قالت لي صديقتي في المدرسة أنَها تأكلُ دائماً في فصلِ الشتاء فاكهةً اسمها ( الكرمنتينا ) ، فذهبت إلى أمي أسألها من أي دولة يستوردون (الكرمنتينا ) فقالت لي أنها من نتاج بلدنا و أننا بدأنا بزراعتها بعد انقراض ( اليوسف أفندي ) و اندحار الإقطاع و الأفندية من وطننا و بزوغ فجر الحق ، فقلتُ لها يا أمي أمرُنا غريب كيف ننتج أشياء لا نستطيع أكلها بينما ينعمون الآخرون في باقي الدول بما ينتجونه .

سأكملُ لك يا سيدي ، كلَنا يعلم أنَ أبي لا يمتلك مالاً لعلاج أختي ، و نعلمُ أيضاً أنَ مرضى السرطان في مشافي الدولة يعانون من تجارة واحتكار علاجاتهم , و يصبحُ المريض وذووه مكرهاً بالجلوس على مقصلة الواسطة و المحسوبية ، للحصول على جرعة دواء قد تطيل في عمره أياماً لا أكثر ، و بما أن أبي كان فقيراً مُعدماً فلا قريب لنا ذو شأن و لا صديق لنا في منصب ، و صارتْ حظوظُ أختي من الدواء لا تتجاوز حظوظنا من منحة التدفئة .

ذات ليلة أفقت في منتصفها ، فرأيتُ أبي يرفع يديه للسماء يدعو أن يأخذ الله من عمره و يمدَ بعمرِ أختي ، حينها فقط علمت أنَ أجلها قد أوشك على الانتهاء ، صدقني يا سيدي تمنيتُ أنْ أصرخ بأعلى صوتي في وجه أبي و أقول له أنت كاذب ، كيف قلت لنا أنها ستأكل الفواكه و اللحوم و تشرب العصائر مجانا ؟ ، و أنها ستكون في مكان دافئ دون حساب أو قسائم ؟
لكنَه رآني في الظلام فأمسكني ، قال لي :
ماذا تفعلين في منتصف الليل ؟
كنت أراقبك يا أبي فأنين أختي جعلني قلقة و لمْ استطعْ النوم ، لماذا تكذب علينا يا أبي ؟ ، وضع يده على فمي و أجهش بالبكاء .
قال لي : يا ابنتي أختك ستموت لا محالة لكنها لا تعلم ، فدعيها تمضي للدَار الآخرة في سكون .
بعد أيام توفيت أختي ، لكني امتنعت من أن أودعها ، آثرت ألا أراها ترتدي ذاك الثوب الأبيض و هي في عمر الورد ، بينما تتمنى معظم الفتيات اللواتي يقطنَ في حيَنا ممنْ فاتهم قطار الزواج أنْ يلبسنه بسبب الغلاءِ القابعِ خلف ظهوركم يا سيدي ، مرَتْ جنازتها إلى المقبرة بلمحِ البصر ، النعش محمول على الأكتاف لا سيارات فاخرة كتلك التي تركبونها و لا همْ يحزنون ، و أنا لا أزال أحتفظ بورقة نعوتها لأني أعتبرها مقررا دراسيا استوجبتم علي دراسته .

تحولنا يا سيدي بعد وفاتها إلى حلقةٍ من الحنان نتذكر كلماتها و حروفها ، هل تذوقت يا سيدي مرارة ثلاثة بواحد الفقر و المرض و الموت بآن واحد أبعدهم الله عن معاليكم ، و الآن بعد مرور ثلاث سنوات اعتدنا أن نستمد الدفىء من حرارة دموعنا، تخيل يا سيدي مرَ علينا شهران من فصل الشتاء بلمح البصر نحلم بوعودكم ، فهل يمضي عمرنا أيضا بلمح البصر في ظل شحِ كرمكم علينا بالدفىء و الخير .
اسمح لي يا سيدي أن أقول لكم أنني في كل يوم أذهب به إلى المدرسة ، أنظر إلى صورة السيد الرئيس بشار الأسد حفظه الله ، أرى خلفه فجراً ضياؤه لا يزول ، و في بعض الأحيان أرى صور السيدة أسماء حماها الله تعانق الأطفال الأيتام فأحس بقلبي ينبض آلاف المرات في الثانية الواحدة ، فمتى يستطيع معاليكم أن تتعلم منهم ما يكفيكم لأن تديروا كرسيكم و تجعلونا نحن الفقراء بمواجهتكم و بأولوياتكم لا خلف ظهوركم ؟

منذ أيام قرأت إعلاناً في الشارع يقول : مؤسسة الكهرباء تنصح المواطنين بعدم استخدام الكهرباء في التدفئة كيلا يتعرضون لفاتورة عالية القيمة , والتدفئة بالمازوت كما تعلم صارت من المستحيلات الألف فهل تودون القضاءَ علينا بسرطان الفقر ؟
اعذرني يا سيدي إن أطلتْ أو تطاولتْ لكني سمعتُ أنَ أحد الوزراء في (( موزامبيق )) قدَم استقالته لأنه تسبب بوفاةِ طفلٍ في قرارٍ غير صائبْ !! ،
فماذا عنكم يا سيدي ؟ هل أنعي طفولتي في أدراج مكاتبكم ؟ .
أستودعك الله و شكراً .